الارتفاع 0
السطح هو العالم الحيّ فوق الأرض، حيث يبدأ كلّ مسافر. وهو الإقليم الوحيد الذي لا يحكمه شعب واحد وحده: يتمسّك الغابيّون بغاباته العميقة، والمَطْرَقِيّون بمرتفعاته الباردة، ويرفع البَطّاريّون قلاعهم حيث يحفظ السطح بعد نظامًا، بينما تجوب الحيوانات البرّية والمرعيّة سائره. ومن السطح، تنفتح البوّابات نزولًا وصعودًا إلى أقاليم العالم الخفيّة: أحرام المعماريين الجوفية وحِصْن السَّماء المداريّة، وكهوف الموتى الأحياء، والغُرَف الخَلْفِيّة المستحيلة، ولَظَى في الأسفل.
السطح ليس منظرًا واحدًا، بل مناظر كثيرة. الحرّ والبرد، والرطب والجافّ، والجبل والسهل تتبدّل من موضع إلى موضع، قاسمةً العالم الأعلى إلى أحياء حيويّة متمايزة، لكلّ منها تربتها وطقسها ونباتها وأخطارها. تصف الأقسام التالية الأحياء الحيويّة التي يرجَّح أن يعبرها المسافر.
سهول شاسعة جرداء من رمل وحجر عارٍ تحت شمس لا ترحم. الماء والظلّ شحيحان، والنهار حارّ والليل بارد، والقليل الذي يعيش هنا تعلّم أن يستغني عن كلّ شيء. ومن حين إلى آخر تلمح الرَّنّانين تائهًا في البرّيّة المكشوفة، يهيم بعيدًا عن كلّ حرم.
غابات عميقة من أشجار عتيقة، وضوء مرقّط، وأدغال سفلية متشابكة——ظليلة، منغلقة، يَسهُل أن تتوه فيها. هذه الغابات هي موطن الغابيّين الخفيّ، يتمسّكون بأعماقها وقلّما يدعون غريبًا يهتدي إلى الدرب.
حارّة، رطبة، كثيفة النموّ——تشابك أخضر مكتظّ، وفي منخفضاتها ماء راكد من مستنقع وهور. القصب والوحل يخبّئان وَحْلان، مفترس الهور الصبور المتربّص، فابقَ متحرّكًا وبعيدًا جيّدًا عن أحراش القصب الكثيفة.
بوادٍ مخطّطة من صخر وطين أحمر، جافّة مكسورة إلى مهاوٍ، وهضاب مسطّحة القمّة، وأخاديد شديدة الانحدار. مهيبة في المنظر صعبة العبور، بماء شحيح وموطئ قدم غادر. وهنا أيضًا تلمح من حين إلى آخر الرَّنّانين تائهًا، يشقّ طريقه عبر الصخر بعيدًا عن كلّ حرم.
مروج عشبية شاسعة مكشوفة——لطيفة، منبسطة، وألطف ديار السطح، وأرجح موضع لتجد موطئ قدم. وحيث تنحدر السهول نحو الأنهار والبحيرات والبحر، يرفع البَطّاريّون قلاعهم، إذ هم في الماء كما في البرّ سواء في موطنهم.
المرتفعات الباردة——سهول متجمّدة وجبال شديدة الانحدار مكسوّة بالثلج، حيث يخفّ الهواء ولا يذوب الثلج قطّ. هذه أرض مولد المَطْرَقِيّين، الذين يزدهرون في البرد وفي ارتفاعات تصرع كلّ سواهم.